عبد الفتاح عبد المقصود
28
في نور محمد فاطمه الزهراء
فهاهم أولاء ، بعد الولاء أعداء ، ها هم نقيضان لا يلتقيان . ها هم بنو عدي وبنو عبد الدار في حلف ، ومن عداهم من قبائل قريش في آخر . * * * فما للقوم ! ما خطبهم ، وماذا غيرهم ؟ وأين عِرْق الأصل ، وصِلَة الرحم ، ووثاق الدم ، وعِشْرة العمر ؟ تبدّدت كهباء « 1 » . وها هي صلة هذا البيت العتيق العريق : حرم اللَّه ، التي وشجت ما بينهم ، ولمّت شعثهم « 2 » ، وجمعت شملهم ، ووصلت حاضرهم بماضيهم ، ولفّت أجيالهم المتعاقبة عبر الزمن حول صرحه الأشمّ « 3 » ، كالسياج المنيع ، منذ رفعه جدّهم الأعلى إبراهيم ، لم يعصمها منهم عاصم ، وأوشكت أن تنهار . تلك الصلة الروحية القدسية ، الضاربة إلى بعيد في أغوار الأعصر ، أخذ يلعب بها الشيطان ، أحالها أداة إغواء ، استغلّها كما استغلّ عاطفة حواء . فكيف جرفهم التيار ؟ لكأنّهم - أمس القريب - إذ هدموا الكعبة الغرّاء ليعيدوا بناءها أرفع وأروع ، إنّما هدموا بهدمها حصن وحدتهم الأهلية الوثقى ، وقوّضوا دعاماته من الأساس . لكأنّما - في غمرة خلافهم هذا الأرعن - نسوا حرمة البيت المقدّس الذي جعله اللَّه لهم وللناس كافّة مثابةً وأمناً ، ونسوا معها حرمة القتال في البلدة الحرام . لكأنّي بهم لم تلدهم هاجر ، لكأنّهم ليسوا بني إسماعيل . لكأنّ فريقيهم هذين آثرا أن يعيدا كرّةً أُخرى إلى الحياة مأساة هابيل وقابيل . * * *
--> ( 1 ) . الهَبَاء : جمع أهْباء ، وهو الغبار ، دقائق التراب العالقة والمنثورة على وجه الأرض . ( 2 ) . شَعَث الأمر : انتشر ، وشَعَّثه إذا فرّقه ونشره ، يقال : لمَّ اللَّه شَعَثَهم ، أي جمع أمرهم . ( 3 ) . شمَّ شَمَماً : تكبّر ، والجبل : إذا ارتفع أعلاه ، فهو أشمّ .